سهيلة عبد الباعث الترجمان

337

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

أن مثل هذا القول مدسوس على كتاب الفصوص وغيره من كتب ابن عربي ، حيث يقول في موضع آخر من كتابه : إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ « 1 » أي غني عن وجود العالم ، لكن لما أظهر اللّه الأسباب ورتب ظهور بعضها على ظهور بعض زل نظر بعضهم فقال : إن اللّه غني عن وجود العالم لا عن ثبوته ، ففهم بعض المقلدين من هذه العبارة رائحة الافتقار من حيث ترتيب الظهور مع غفلته عن كون ذلك فعل مختار في الأصل غني عن العالمين . . . فإنه لا يلزم من كون العالم ثابتا في العلم الإلهي الافتقار إلى وجوده ، فإن كان غنيا عنه وعن إيجاده لا يوصف بافتقاره إليه « 2 » . ولا بد من إزالة اللّبس في فهم معنى الفقر وعدم إلحاقه بالحق تعالى ، فهو غني دوما عن العالمين ، والممكنات هي المفتقرة دائما إلى الوجود بعد العدم ، لأن تعلق العلم بالعالم من حيث ثبوته فيه اكتفاء ، ثم إن شاء الحق أوجده إلى عالم الشهادة ، وإن شاء لم يوجده ، فهو تعالى لا يوصف بالافتقار إليه بل هو مستغن عن وجوده ، وما نسب إلى ابن عربي في قوله : " الكل مفتقر ما الكل مستغن " هو قول مردود ، إذ أن ما ورد في الفتوحات المكية بهذا الصدد أنه لا يجوز القول أن الحق مفتقر في ظهور أسمائه وصفاته إلى وجود العالم لأنه الغني على الإطلاق ، وهذا ، كما يرى الشعراني ، رد صريح على كل من نسب إلى الشيخ قوله : الحق تعالى مفتقر في ظهور حضرات أسمائه إلى خلقه ، ولولا خلقه ما ظهر ولا عرف « 3 » . وجملة القول أن الحق ليس بحاجة للتدليل على وجوده إذ أنه لا يعلم بالدليل أبدا لكنه يعلم أنه موجود وأن العالم مفتقر إليه افتقارا ذاتيا لا محيص له عنه البتة مما يشير إلى قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ « 4 » . أضف إلى ذلك أن مرتبة الخلق أدنى من مرتبة الحق للتفاوت في الوجود ومدى احتياج العبد في إيجاده إلى الحق ، رغم أن المخلوق كما يراه هو على صورة

--> ( 1 ) سورة العنكبوت ، الآية : 6 م . ( 2 ) الشعراني ، اليواقيت والجواهر ، ص 62 . ( 3 ) المصدر السابق ، ص 62 . ( 4 ) سورة فاطر ، الآية : 15 ك .